الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

وجه جميل من الزمن الجميل

وصلتنتي رسالة عبر الاميل لم تكن سوى تذكير بالزمن الجميل, كانت الرسالة من صديقي العراقي اللندني عبد الجبار هي حوار اجراه موقع ايلاف الالكتروني مع الاعلامية العراقية البارزة خيرية حبيب مقدمة برنامج عدسة الفن الذي كان يحظي بمتابعة واهتمام شرائح مختلفة مع العراقيين طوال سنوات السبعينيات. اني لااعتقد ان هناك عراقي لايعرف هذه الوجوه الامعة التي لم ترتبط بالتلفزيون العراقي بل بذاكرته وحياته واني استغرب كيف كانت هناك محاولات حثيثة لقتل ذاكرة العراقيين واغتيال احلامهم على بساطتها عبر تغيبب هؤلاء الاعلاميين الذين كان يحتلون مساحة كبيرة من قلوب العراقيين. انقل اليكم نص المقال مع خيرية حبيبب التي اقول لها ياابنة العراق الغالية اننا سعدنا ونحن نراك بعد غياب.




عن ايلاف




عبد الجبار العتابي من بغداد : للأسم .. رنة تحمل عذوبتها ، وللوجه ذاكرته التي تناسلت في وجوه الناس وذواكرهم ، حتى ارتسم وجهها على وجوههم ، تلك هي الحقيقة ، فباتوا يحتفظون بالجمال والنكهة المميزة والألحان الخالدة التي تعبر السنوات متدفقة بالحنين ، فلا يمكن حين النظر الا استذكار زخات من المطر تجعل عشب الذكرى يهز نفسه ليشرئب برؤوسه ، هذا كله كان في ظهيرة يوم الخميس حين استضاف ملتقى الخميس الإبداعي التابع لاتحاد الادباء والكتاب في العراق الإذاعية والإعلامية المعروفة خيرية حبيب التي اسمها ألتصق تاريخيا واجتماعيا ببرنامج تلفزيوني كان يقدمه تلفزيون بغداد قبل نحو 25 عاما هو (عدسة الفن) من اعداد خالد ناجي وتناوب على اخراجه مجموعة من المخرجين ، وعلى الرغم من السنوات التي تركت اثرها الا ان لمحات الجمال ما زالت تغطي ملامح خيرية حبيب التي اشار اليها الحاضرون بكلمات الثناء والمحبة وقالوا عنها : الخيرية الحبيبة والسيدة ام ايهاب ، والجميلة الفاضلة .


قدم الإحتفائية الإعلامي المذيع احمد المظفر الذي نسج كلماته على منوال الدهشة والمحبة للمحتفى بها فقال : في أمسيتنا سنحتفي بوجه تلفزيوني معروف يذكرنا بمذيعات الزمن الجميل في السبعينيات وبداية الثمانينيات ، ومن حسن المصادفة ان برنامجها كان يقدم يوم الخميس (عدسة الفن) المميز وان كان اخباريا يتناول اخبار الفن والفنانين ، لكنه شكل نجاحا وظل في ذاكرة الناس مقترنا بأسم مقدمته مثلما كان برنامج الرياضة في اسبوع لمؤيد البدري والعلم للجميع لكامل الدباغ والسينما والناس لاعتقال الطائي ، واضاف : ام ايهاب .. دخلت الى التلفزيون بشكل ربما يكون غريبا لانها لم تخطط له او تفكر ان تكون مذيعة ، وانما جاءت مع شقيقتها التي كانت تريد ان تكون مذيعة لكن الاختيار وقع عليها ولم تقبل شقيقتها ، واختريت لتقدم برنامج (عدسة الفن) الذي كان يقدمه الفنان الراحل سامي السراج ، وارتبطت خيرية بالمخرج رشيد شاكر ياسين الذي كان مديرا لتلفزيون بغداد ، واستمرت في تقديم البرنامج مدة طويلة .

في الامسية هذه جاءت الاستذكارات جميلة في ملامحها وان حملت الحزن في وقائعها والظرافة ايضا ، جرى استذكار شيء من تاريخ التلفزيون العراقي وكان لا بد من الوقوف امام حادث اغتيال المخرج رشيد شاكر ياسين في حادثة سيارة في الكويت عام 1980، فقد اشار المخرج جمال محمد في مداخلته الى صداقته الحميمة مع رشيد شاكر والى روعة خيرية وقد اشار الى التزامها بالوقت ومواعيد التصوير وجاهزيتها وعفويتها وجمال الوجه وهو ما جعلها باقية في ذهن المشاهد العراقي ، فيما اشار القاص كفاح الحبيب الى ان هناك شكلين من المتعة في مثل هذه اللقاءات : ان نتعرف على المبدع وان نتذكر زمنه حيث ان التاريخ والمثقف مرتبطان معا ، فيما اشار الشاعر علي حنون العقابي الى ان خيرية حبيب من الكرد الفيلية وهو من عشيرة الدلوي ، عانت كثيرا وصمدت كثيرا وعرفناها مبدعة ولكن الذي لم يعرفه الكثيرون عنها انها ام شجاعة حيث هرّبت احد اولادها وقت الحرب ودافعت عن اخوتها وزوجها الاول رشيد شاكر ياسين الذي اغتيل في الكويت وقد تم ارساله الى الكويت لجلب مواد وادوات للتلفزيون لكنهم اغتالوه هناك وقد كان مخرجا ناجحا .

ومن اطرف ما ذكره المخرج جمال محمد والذي اثار الضحك والاستغراب هو الامر الذي صدر عام 1978 من قبل رئيس النظام آنذاك احمد حسن البكر بمنع ظهور جميع المطربين الذين (بلا شوارب) قائلا عنهم (ان هؤلاء مخنثون!!) ، وما اكثر المطربين آنذاك ممن بلا شوارب ، ويقول جمال انه جازف مع السيدة خيرية بأستضافة المطرب علي رضا في البرنامج وبعد البث كنت انتظر ان تأتيني السيارة السوداء لتأخذني لكنها لم تأت ويبدو انهم لم ينتبهوا الى ذلك !!.

ماذا قالت خيرية :
خلال الامسية الاحتفالية كانت هنالك احاديث شتى من المحتفى بها ، اجملناها هنا :

منذ سنين طويلة وانا منعزلة عن العالم ولم اظهر على الناس .

لو لم اكن مذيعة ، كنت اتمنى ان اكون طبيبة او على الاقل ممرضةلانني احب هذا المجال وكنت اتابع اخبار الطب.

المصادفة وحدها جعلتني ادخل مجال الاعلام الذي احببته بشكل كبير وتفانيت فيه وألتزمت به ، كانت الاذاعة قد طلبت مذيعات للعمل فتقدمت شقيقتي اليها ورافقتها وانا أرتدي ملابس المدرسة فقد كنت حينها أنا في الصف الخامس الاعدادي ورفض أهلي عمل شقيقتي كمذيعة، غير ان الأزمة المالية التي كانت تمر بها العائلة، كانت سبباً في موافقتها ودخلت شقيقتي الاختبار
لكن احدى المذيعات ، وصارت فيما بعد من أعز صديقاتي، اقنعتني بدخول الاختبار ، فنجحت وفشلت شقيقتي ، وعملت في الاذاعة ، وفي عام 1969 تزوجت المخرج رشيد شاكر ياسين .

كان ظهوري في التلفزيون عام 1970 غير مدروس ، وقتها كنت في القسم الثقافي لاذاعة بغداد ، زوجي الراحل كان لديه برنامج اخر زحف على برنامج تقدمه الزميلة سهاد حسن فتركت البرنامج الذي كانت مدته ساعة ، وقتها الصحاف (كان المدير العام للدائرة) وكان شديدا جدا وقال لابد ان يقدم البرنامج ، انا بطبعي خجولة ، فطلب مني زوجي ان اقدم البرنامج فرفضت لكنه ألح وقال انه في موقف محرج ، فقدمت البرنامج على سجيتي وبلا مكياج ، وبث بلا مونتاج ونجحت في ذلك .


كان برنامج (عدسة الفن) متوقفا حينها فطلبوا مني ان اقدمه فرفضت ، اذكر ان الاجور للتقديم كانت (دينارين فقط) ، ومع الالحاح قلت لأطلب مبلغا كبيرا كي يتركونني ، فقلت اريد خمسة دنانير ، فقال الصحاف : اعطوها !!، ولم اجد الا ان اقدمه وكان ليس على الهواء مباشرة بل مسجلا ، اعتبرته مثل الاذاعة كنت اقرأ وأقول سيرفض ، علما انه ما كانت هناك برامج حية ما عدا برنامج الرياضة في اسبوع للاستاذ مؤيد البدري وبرنامج العلم للجميع للاستاذ كامل الدباغ .
- المذيعات الحاليات او مقدمات البرامج اكثر جرأة منا ، كانت الجرأة لدينا قليلة ، ولكن لا يمكن ان اقول ان هناك واحدة تشبهني ، هذا يقوله الجمهور، لانني اؤمن ان لكل انسان قبوله الخاص ولان الشخصية لا تتكرر.

البرنامج عرفني على فنانين عراقيين وعرب ، وكان نخرجه المرحوم طارق الحمداني ثم جمال محمد ثم ساهر ميرزا ، اما زوجي الراحل رشيد شاكر ياسين فأراد ان يخرجه ، اخرج حلقة او حلقتين، وتركه بعد ان وجد عدم قبول مني ، فليس من الممكن ان يكون (سي السيد) في البيت وفي الاستديو ، فقال : احسن شيء ان لا اخرج لك حتى لا تحدث مشاكل .

عام 1986 وبعد ان احسست انني لم اعد اقدم شيئا للبرنامج قدمت طلبا الى المدير ماجد السامرائي لاعفائي من تقديم البرامج فقبله ، لكنني تواصلت كمذيعة اخبار ، حتى عام 1990 الذي بدأت فيه بوادر مرضي ، فقدمت عام 1993 طلبت احالتي على التقاعد ، ومرت عليّ سنوات صعبة جدا الى حد عام 2000 الذي فيه غادرت العراق ، ولا احد يعرف انني اصبحت لاشيء ، اشتغلت في الاردن ومن ثم في السعودية وفي عام 2004 رجعت الى العراق وتواصلت في عملي الاذاعي ، وفي مجمل مسيرتي لم انقطع عن عملي الا سبع سنوات .

الملاحظ الان فوضى في الاعلام وعدم وجود رقابة ، فالمذيعة تأتي من البيت الى الاستديو وتتحدث كما تشاء ، وهذا فيه مساويء كثيرة لان الاغلب بلا خلفية ثقافية ، لذلك لا يمكن لك ان تحفظ أي اسم ، يسألونني عن اسم مذيعة فلا اعرف ، اما الاذاعة فهي شيء رهيب ، انا اسميهن (مذيعات الألو) لانهن لا يعرفن قول سوى (ألو .. حياتي ، ألو قلبي ) ويستخدمون كلمات المجاملات ونفس المستمعين يتصلون بالاذاعات .

لا بد للعمل الاذاعي من حدود ولا يمكن ان تكون هناك (ميانة) زائدة ما بين المذيع والمستمع ، هناك طارئون كثيرون وانا اعتبرهم تجارا ولا يعرفون ماذا يقدم المذيعون في اذاعاتهم ، ولكن ربما تتم غربلتهم ، هذا يحتاج الى وقت .

نحن لدينا حس وطني ونمشي على الحياد ، بعضهم يطرح في السهرات الليلية مواضيع مخجلة جدا من اجل الاستهزاء ، هذه تشيع الفاحشة لانها تقدم بطريقة الاستهزاء ، وهذه مع الاسف مؤلمة ، وان لم نسمعها افضل ، ولا اعرف كيف كيف يسمي نفسه من يطرح هكذا مواضيع بالاعلامي .

في قضية وفاة زوجي المخرج رشيد شاكر ياسين هناك امور غامضة ولازالت الى حد الان غير معروفة ، انه راح ضحية عطائه وابداعه ، حصل الاغتيال في سيارة في الكويت ، ولم املك الجرأة حينها للمطالبة بلجنة تحقيقية ونحن اجتماعيا كان موقفنا ضعيفا ، ومن غير الممكن ان اسأل سؤالا او افتح الموضوع ، وجعلت قضيتي المهمة هي تربية اولادي والحفاظ عيهم لان التفكير في القضية يعذب .

قبل الوفاة تعرضت الى نوع من المحاربة ، قالوا في البدء لديك (لكنة) وارادوا ان يجعلوا معي في تقديم البرنامج مذيعين اخرين لكنني رفضت وغبت لعدة اشهر ، وبعد تغيير المدير العام رجعت الى البرنامج ، حاربوني لنجاح رشيد شاكر محاربة شديدة وقاسية ، وهو لم يتدخل ، بعدها طلبت ان اقرأ نشرة الاخبار ، ذات مرة دخل المدير وقال لاتقرئي النشرة ثم دخل مذيع وقرأها ، قدمت اجازة طويلة ، وفي الشهر نفسه حدثت الحادثة ، حوربت بشكل بشع ، كان يريدون ان يؤذونه من خلالي ، بعد وفاة زوجي تعاطفوا معي ولم اجد محاربة من احد ويبدو ان المحاربة كانت له وليست لي .

وفي الختام قالت خيرية حبيب :
- انا عاجزة عن الشكر لكم جميعا ، فقد كنت احس نفسي مدفونة والان طلعت ، صحيح انا اعمل في الاذاعة ولكنني اعمل في الخفاء بسبب الظروف ، انتم والله شرفتموني ، ولا استطيع ان اعبر عن حبي وامتناني لكم .. اشكركم .

هناك تعليق واحد:

Tofy Toto يقول...

تحية طيبة الى عراقي القديم الى الوجه الجميل من عراق الأمس ً.. كنت اليوم في رحلة عن إعلامية وفنانو العراق منو مات منو. بقى ووصلت الى هذا المرفأ ًً؛؛؛ صراحة لم ولن يجد اعلام العراق وجه جميل. ك خيرية حبيب لقد كان يوم الخميس عيد بوجودها وصوتها وإلقائها روعة وغاية في الإبداع تذكرني باعلامية سورية لها نفس المحظور اسفة نسيت اللغة وبقت المشاعر ؛؛ لها كل التحية والسلام.