السبت، 14 ديسمبر، 2013

عندي حنين



تقول «سفيرتنا إلى النجوم وبلبل الصباح» المطربة فيروز في احدى اغانيها الجميلة: «أنا عندي حنين ما بعرف لمين، ليلي بيخطفني من بين السهرانين». أما السندباد فيقول: انا عندي حنين لكني اعرف لمين. كم من بلدان زارها وطاف بها لكن حنينه ابد لأخر بلد زاره ، بلد التنوع والتباين في كل شئ، في الطبيعة والتضاريس، في العادات والتقاليد والازياء ، في الاقوام والاعراق والهجات، بلد التين الزيتون والبرتقال والارَجان، بلد الملحون والفن الاندلسي والعيطة والدقة والغناوة ، بلد الكسكس والطجين والحوت والمسمن والشباكية والرفيسة والقديد وبراد الاتاي الاخضر بالشيبة والنعناع. 

وكم من مدن جاب وطاف في انحاء المغرب ، لكن حنينه ابدا الى يحج إليها قلبي من حين لاخر عروس الجنوب ، البهجة ، الحمراء ، مدينة سبعة رجال ، مدينة النخيل ومفخرة يوسف بن تاشفين ، بلد الأولياء واقطاب التصوف. هي كما وصفها مؤرخها (فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، بسيطة الساحة ومستطيلة المساحة، كثيرة المساجد، عظيمة المشاهد، جمعت بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة، وسعة الحرث، وعظيم بركته.)

اكثر من ثمانية شهور مضت على زيارة السندباد الى مدينة مراكش، ولا يزال صدى الاصوات الراقصة للطبول والدفوف وانين الناي المروض للثعابين وانغام الدقة المراكشية ، والغناوة والحان الاغاني الشعبية والفلكلورية ، ما زال صداها يرن في مسمعه ، ومازال طعم الاكلات الشعبية الشهية كالطنجية ، ولحم الرأس، والكوارع، والحريرة والحوت ، والابخرة المتصاعدة من المطاعم الشعبية في ساحة جامع الفناء في طرف لسانه، وملئ انفه. ولا تزال الاماكن والطرق والاحياء التي تتداخل وتتشعب فيها الازقة العتيقة التي تضطرب فيها البوصلة والتي تعج بالحياة والناس والعابقة بعطر التاريخ، لا تزال تطوف طوف الخيال في فكره واحلامه وتدغدغ احاسيسه ومشاعره وتبعث الشوق والحنين في وجدانه.

تقع مراكش في جنوب وسط المغرب ، وهي ثالث أكبر مدينة مغربية ، وهي من اجمل مدن المغرب، وتحتل المرتبة الاولى في السياحة في المغرب ، وتأتي بعدها فاس ثم اغادير. وهي موغلة في القدم وقد بناها يوسف بن تاشفين ، امير دولة المرابطين عام 454 هجرية. وكانت عاصمة للمرابطين والموحدين والسعديين والعلويين. وتشتهر بكثرة قبور ومقامات الاولياء ورجال الدين وهناك مقولة مشهورة عن مراكش حيث يقال: مراكش كل خطوة بولي. وما كنت اضن ان هناك بلد يضاهي العراق في عدد الاضرحة ومزارات الاولياء والصالحين ، ولكن عندما زرت المغرب اتضح ان المغرب ينافس العراق في ذلك. وتسمى مراكش ايضا بمدينة سبع رجال ، هؤلاء الرجال السبع هم من اقطاب التصوف ورجال دين بارزين في تاريخ المغرب وحتى الاندلس. والقواسم المشتركة التي تجمع بين رجالات مراكش السبعة، هي زهدهم في الدنيا وجنوحهم للتصوف، وسعيهم للخير، وحفظهم للقرآن، ونشرهم للعلم، ولتعاليم الدين السمحاء، وانكبابهم على التأليف في الحديث والفقه والسيرة واللغة. ويقوم كثير من الناس بزيارة قبورهم والتبرك بها وطلب الشفاء من الامراض المزمنة والنفسية والعقم والعنوسة وغيرها من الاسقام والعاهات ولهم اعتقادات ان لهؤلاء الرجال كرامة وحظوة عند الله. ولكل ولي طقوس وممارسات خاصة ويوم محدد من ايام الاسبوع للزيارة وقد زارهم السندباد جميعا وفي يوم واحد.

ومن معالم مراكش السياحية الشهيرة هي ساحة جامع الفناء. وهي قلب مراكش النابض بالحياة والناس. والساحة فضاء شعبي للفرجة والترفيه للسكان المحليين والسياح ، وهي محجا للزوار من كل أنحاء العالم للاستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة لمروضي الأفاعي ورواة الأحاجي والقصص، والموسيقيين والبهلوانيون وعارضو الحيوانات وواشمات الحناء إلى غير ذلك من مظاهر الفرجة الشعبية التي تختزل تراثا غنيا وفريدا كان من وراء إدراج هذه الساحة في القائمة التراث اللامادي الإنساني التي ل أعلنتها منظمة اليونيسكو عام 2001

للسندباد لقاء بك يا الكتبية ، ويا درب دباشي، ويا رياض العروس، وباب الخميس ، ويا باب اغمات ، ويا حدائق اكدال ، والمنارة. سيرجع لك يوما يا مراكش ، عندما يهجم عليه الشتاء الكئيب والقاتم ، هنا في المنافي الباردة والموحشة ، عندما تتجمد الانهار، وينزل الصقيع ، وتذبل اوراق الشجر، وتهرب الطيور الى الجنوب ، ويطبق الصمت الرهيب ، عندما تشيح عنه الشمس بوجهها الوهاج الدافي، ويستسلم للظلام الدامس، وتخيم على القلوب سحائب الهموم والكأبة السوداء ، وتحتدم مشاعر الغربة والبعاد. حينئذ سوف يهرب اليك باجنحة الشوق والحنين ويدفن همومه في رحابك ويتحمم بعطرك وينتشف بنور شمسك الدافئة ويلتحف فضائك الازرق الصافي. حتى ذالك الحين يستودعك الله انت واهلك الظرفاء ، الذين لا تفارق وجوههم الابتسامة والضحكة والنكة والبهجة ، رغم صعوبات الحياة .

ليست هناك تعليقات: